فصل: سورة القارعة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


سورة القدر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ‏(‏2‏)‏ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ‏(‏3‏)‏ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ‏(‏4‏)‏ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

الضمير في‏:‏ ‏{‏أنزلناه‏}‏ للقرآن، وإن لم يتقدّم له ذكر‏.‏ أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وكان ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم نجوماً على حسب الحاجة، وكان بين نزول أوّله وآخره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وعشرون سنة، وفي آية أخرى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 3‏]‏ وهي‏:‏ ليلة القدر؛ وفي آية أخرى‏:‏ ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏ وليلة القدر في شهر رمضان‏.‏ قال مجاهد‏:‏ في ليلة القدر ليلة الحكم‏.‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر‏}‏ ليلة الحكم، قيل سميت ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدّر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة‏.‏ وقيل‏:‏ إنها سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها، من قولهم‏:‏ لفلان قدر، أي‏:‏ شرف ومنزلة، كذا قال الزهري‏.‏ وقيل‏:‏ سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً‏.‏ وقال الخليل‏:‏ سميت ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏ أي ضيق‏.‏

وقد اختلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين قولاً، قد ذكرناها بأدلتها، وبينا الراجح منها في شرحنا للمنتقى‏.‏

‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر‏}‏ هذا الاستفهام فيه تفخيم لشأنها حتى كأنها خارجة عن دراية الخلق لا يدري بها إلاّ الله سبحانه‏.‏ قال سفيان‏:‏ كلّ ما في القرآن من قوله‏:‏ وما أدراك، فقد أدراه، وكلّ ما فيه ‏{‏وما يدريك‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 3‏]‏، فلم يدره، وكذا قال الفراء‏.‏ والمعنى‏:‏ أيّ شيء تجعله دارياً بها‏؟‏ وقد قدّمنا الكلام في إعراب هذه الجملة في قوله ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 3‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏}‏ قال كثير من المفسرين، أي‏:‏ العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر‏.‏ واختار هذا الفراء، والزجاج، ولك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من الخير والنفع‏.‏ فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة كانت خيراً من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بقوله ألف شهر جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في كثير من الأشياء على طريق المبالغة‏.‏ وقيل‏:‏ وجه ذكر الألف الشهر أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابداً حتى يعبد الله ألف شهر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل الله سبحانه لأمة محمد عبادة ليلة خيراً من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها‏.‏ وقيل‏:‏ إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى أعمار أمته قصيرة، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم‏.‏

وقيل‏:‏ غير ذلك مما لا طائل تحته‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم‏}‏ مستأنفة مبينة لوجه فضلها موضحة للعلة التي صارت بها خيراً من ألف شهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِمْ‏}‏ يتعلق ب ‏{‏تنزل‏}‏، أو بمحذوف، هو حال، أي‏:‏ ملتبسين بإذن ربهم، والإذن الأمر، ومعنى ‏{‏تنزل‏}‏‏:‏ تهبط من السماوات إلى الأرض‏.‏ والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين، أي‏:‏ تنزل الملائكة ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه‏.‏ وقيل الرّوح صنف من الملائكة هم أشرافهم‏.‏ وقيل هم جند من جنود الله من غير الملائكة‏.‏ وقيل‏:‏ الروح الرحمة، وقد تقدّم الخلاف في الروح عند قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 38‏]‏‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تنزل‏}‏ بفتح التاء، وقرأ طلحة بن مصرف، وابن السميفع بضمها على البناء للمفعول، وقوله‏:‏ ‏{‏مّن كُلّ أَمْرٍ‏}‏ أي‏:‏ من أجل كلّ أمر من الأمور التي قضى الله بها في تلك السنة‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏من‏}‏ بمعنى اللام، أي‏:‏ لكلّ أمر‏.‏ وقيل‏:‏ هي بمعنى الباء، أي‏:‏ بكلّ أمر، قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أمر‏}‏ وهو واحد الأمور، وقرأ عليّ، وابن عباس، وعكرمة، والكلبي‏:‏ ‏(‏امرئ‏)‏ مذكر امرأة، أي‏:‏ من أجل كلّ إنسان، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل مع الملائكة، فيسلمون على كلّ إنسان، فمن على هذا بمعنى على، والأوّل أولى‏.‏

وقد تمّ الكلام عند قوله من كلّ أمر، ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏سلام هِىَ‏}‏ أي‏:‏ ما هي إلاّ سلامة وخير كلها لا شرّ فيها‏.‏ وقيل‏:‏ هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة‏.‏ قال مجاهد‏:‏ هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً ولا أذى‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرّون على كلّ مؤمن ويقولون السلام عليك أيها المؤمن‏.‏ وقيل‏:‏ يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض‏.‏ قال عطاء‏:‏ يريد سلام على أولياء الله، وأهل طاعته‏:‏ ‏{‏حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏ أي‏:‏ حتى وقت طلوعه‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏مطلع‏}‏ بفتح اللام‏.‏ وقرأ الكسائي، وابن محيصن بكسرها‏.‏ فقيل‏:‏ هما لغتان في المصدر، والفتح أكثر نحو المخرج والمقتل‏.‏ وقيل‏:‏ بالفتح اسم مكان، وبالكسر المصدر‏.‏ وقيل‏:‏ العكس، و«حتى» متعلقة يتنزل على أنها غاية لحكم التنزل، أي‏:‏ لمكثهم في محل تنزلهم بأن لا ينقطع تنزلهم فوجاً بعد فوج إلى طلوع الفجر‏.‏ وقيل متعلقة ب ‏{‏سلام‏}‏ بناءً على أن الفصل بين المصدر، ومعموله بالمبتدأ مغتفر‏.‏

وقد أخرج ابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر‏}‏ قال‏:‏ أنزل القرآن في ليلة القدر حتى وضع في بيت العزّة في السماء الدنيا، ثم جعل جبريل ينزل على محمد بجواب كلام العباد وأعمالهم‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال‏:‏ العمل في ليلة القدر، والصدقة، والصلاة، والزكاة أفضل من ألف شهر‏.‏ وأخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّا أعطيناك الكوثر‏}‏ ‏[‏الكوثر‏:‏ 1‏]‏ يا محمد‏.‏ يعني نهراً في الجنة، ونزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر * لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏}‏ يملكها بعدك بنو أمية‏.‏

قال القاسم‏:‏ فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً، ولا تنقص يوماً، والمراد بالقاسم هو القاسم بن الفضل المذكور في إسناده‏.‏ قال الترمذي‏:‏ إن يوسف هذا مجهول، يعني يوسف بن سعد الذي رواه عن الحسن بن عليّ‏.‏ قال ابن كثير‏:‏ فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة‏:‏ منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد‏.‏ وقال فيه يحيى بن معين هو مشهور‏.‏ وفي رواية عن ابن معين قال‏:‏ هو ثقة، ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن‏.‏ قال ابن كثير، ثمّ هذا الحديث على كلّ تقدير منكر جداً‏.‏ قال المزي‏:‏ هو حديث منكر، وقول القاسم بن الفضل إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد، ولا تنقص ليس بصحيح، فإن جملة مدّتهم من عند أن استقلّ بالملك معاوية، وهي سنة أربعين إلى أن سلبهم الملك بنو العباس، وهي سنة اثنين وثلاثين ومائة مجموعها اثنتان وتسعون سنة‏.‏

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس نحو ما روي عن الحسن بن عليّ‏.‏ وأخرج الخطيب عن سعيد بن المسيب مرفوعاً مرسلاً نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏سلام‏}‏ قال‏:‏ في تلك الليلة تصفد مردة الشياطين، وتغلّ عفاريت الجنّ، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكلّ تائب، فلذا قال‏:‏ ‏{‏سلام هِىَ حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏ قال‏:‏ وذلك من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر، والأحاديث في فضل ليلة القدر كثيرة، وليس هذا موضع بسطها، وكذلك الأحاديث في تعيينها، والاختلاف في ذلك‏.‏

سورة البينة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏1‏)‏ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ‏(‏2‏)‏ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ‏(‏3‏)‏ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ‏(‏5‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏(‏7‏)‏ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

المراد ب ‏{‏الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏‏:‏ اليهود والمراد ب ‏{‏المشركين‏}‏‏:‏ مشركو العرب، وهم عبدة الأوثان‏.‏ و‏{‏مُنفَكّينَ‏}‏ خبر كان‏.‏ يقال فككت الشيء فانفك، أي انفصل‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم لم يكونوا مفارقين لكفرهم، ولا منتهين عنه‏.‏ ‏{‏حتى تَأْتِيَهُمُ البينة‏}‏ وقيل‏:‏ الانفكاك بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية، أي‏:‏ لم يكونوا يبلغون نهاية أعمارهم، فيموتوا حتى تأتيهم البينة‏.‏ وقيل‏:‏ منفكين زائلين، أي‏:‏ لم تكن مدّتهم؛ لتزول حتى تأتيهم البينة، يقال ما انفك فلان قائماً، أي‏:‏ ما زال قائماً، وأصل الفكّ الفتح‏.‏ ومنه فكّ الخلخال‏.‏ وقيل‏:‏ منفكين بارحين‏.‏ أي‏:‏ لم يكونوا ليبرحوا أو يفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث‏.‏ فلما بعث حسدوه وجحدوه، وهو كقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 89‏]‏ وعلى هذا فيكون قوله‏:‏ ‏{‏والمشركين‏}‏ أنهم ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه «الأمين»، فلما بعث عادوه وأساءوا القول فيه‏.‏ وقيل‏:‏ مُنفَكّينَ هالكين‏.‏ من قولهم‏:‏ انفكّ صلبه، أي‏:‏ انفصل‏.‏ فلم يلتئم فيهلك، والمعنى‏:‏ لم يكونوا معذبين، ولا هالكين إلاّ بعد قيام الحجة عليهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن المشركين هم أهل الكتاب، فيكون وصفاً لم؛ لأنهم قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله‏.‏

قال الواحدي‏:‏ ومعنى الآية‏:‏ إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم، وشركهم بالله حتى أتاهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان، وهذا بيان عن النعمة، والإنقاذ به من الجهل والضلالة، والآية فيمن آمن من الفريقين‏.‏ قال‏:‏ وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقاً لا تفضي بهم إلى الصواب‏.‏ والوجه ما أخبرتك، فاحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال‏.‏ قال‏:‏ ويدلّ على أن البينة محمد صلى الله عليه وسلم أنه فسرها وأبدل منها فقال‏:‏ ‏{‏رَسُولٌ مّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً‏}‏ يعني‏:‏ ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن، ويدلّ على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب انتهى كلامه‏.‏ وقيل‏:‏ إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم الموعود به، فلما بعث تفرّقوا، كما حكاه الله عنهم في هذه السورة‏.‏ والبينة على ما قاله الجمهور هو‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه سراجاً منيراً، وقد فسر الله سبحانه هذه البينة المجملة بقوله‏:‏ ‏{‏رَسُولٌ مّنَ الله‏}‏ فاتضح الأمر، وتبين أنه المراد بالبينة‏.‏

وقال قتادة، وابن زيد‏:‏ البينة هي القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 133‏]‏ وقال أبو مسلم‏:‏ المراد بالبينة مطلق الرسل، والمعنى‏:‏ حتى تأتيهم رسل من الله، وهم الملائكة يتلون عليهم صحفاً مطهرة، والأوّل أولى‏.‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين‏}‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ ‏(‏لم يكن المشركون وأهل الكتاب‏)‏‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهي‏:‏ قراءة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة‏.‏ وقرأ الأعمش، والنخعي‏:‏ «والمشركون» بالرفع عطفاً على الموصول‏.‏ وقرأ أبيّ‏:‏ ‏(‏فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون‏)‏‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏رسول من الله‏}‏ برفع ‏{‏رسول‏}‏ على أنه بدل كل من كلّ مبالغة، أو بدل اشتمال‏.‏ قال الزجاج‏:‏ رسول رفع على البدل من البينة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي‏:‏ هي رسول، أو هو رسول‏.‏ وقرأ أبيّ، وابن مسعود‏:‏ ‏(‏رسولاً‏)‏ بالنصب على القطع، وقوله‏:‏ ‏{‏مِنَ الله‏}‏ متعلق بمحذوف هو صفة لرسول، أي‏:‏ كائن من الله، ويجوز تعلقه بنفس رسول، وجوّز أبو البقاء أن يكون حالاً «من صحف»‏.‏ والتقدير‏:‏ يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً‏}‏ يجوز أن تكون صفة أخرى لرسول، أو حالاً من متعلق الجار والمجرور قبله‏.‏ ومعنى ‏{‏يتلو‏}‏‏:‏ يقرأ، يقال تلا يتلو تلاوة، والصحف جمع صحيفة‏.‏ وهي ظرف المكتوب‏.‏ ومعنى ‏{‏مطهرة‏}‏‏:‏ أنها منزّهة من الزور والضلال‏.‏ قال قتادة‏:‏ مطهرة من الباطل‏.‏ وقيل‏:‏ مطهرة من الكذب، والشبهات، والكفر، والمعنى واحد؛ والمعنى‏:‏ أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب كما تقدّم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ‏}‏ صفة ل ‏{‏صحفاً‏}‏، أو حال من ضميرها، والمراد الآيات، والأحكام المكتوبة فيها، والقيمة المستقيمة المستوية المحكمة، من قول العرب‏:‏ قام الشيء‏:‏ إذا استوى وصحّ‏.‏ وقال صاحب النظم‏:‏ الكتب بمعنى الحكم كقوله‏:‏ ‏{‏كَتَبَ الله لأغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏ أي‏:‏ حكم‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف‏:‏ «لأقضين بينكما بكتاب الله» ثم قضى بالرجم، وليس الرجم في كتاب الله، فالمعنى‏:‏ لأقضينّ بينكما بحكم الله، وبهذا يندفع ما قيل‏:‏ إن الصحف هي الكتب، فكيف قال‏:‏ ‏{‏صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ‏}‏ وقال الحسن‏:‏ يعني‏:‏ بالصحف المطهرة التي في السماء، يعني في اللوح المحفوظ، كما في قوله‏:‏ ‏{‏بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 21، 22‏]‏‏.‏

‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة‏}‏ هذه الجملة مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم، وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب‏.‏

قال المفسرون‏:‏ لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمداً‏.‏ فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون‏.‏ وخصّ أهل الكتاب، وإن كان غيرهم مثلهم في التفرّق بعد مجيء البينة؛ لأنهم كانوا أهل علم، فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، والاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة‏}‏ مفرّغ من أعم الأوقات، أي‏:‏ وما تفرّقوا في وقت من الأوقات إلاّ من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، وهي‏:‏ بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشريعة الغرّاء، والمحجة البيضاء‏.‏ وقيل البينة‏:‏ البيان الذي في كتبهم أنه نبيّ مرسل كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏ قال القرطبي‏:‏ قال العلماء‏:‏ من أوّل السورة إلى قوله‏:‏ ‏{‏كُتُبٌ قَيّمَةٌ‏}‏ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله‏}‏ في محل نصب على الحال مفيدة؛ لتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرّق بعد مجيء البينة، أي‏:‏ والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلاّ لأجل أن يعبدوا الله، ويوحدوه حال كونهم ‏{‏مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏ أي‏:‏ جاعلين دينهم خالصاً له سبحانه، أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين‏.‏ وقيل‏:‏ إن اللام في‏:‏ ‏{‏ليعبدوا‏}‏ بمعنى «أن»، أي‏:‏ ما أمروا إلاّ بأن يعبدوا كقوله‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 26‏]‏ أي‏:‏ أن يبيّن، و‏{‏يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 8‏]‏ أي‏:‏ أن يطفئوا‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏مخلصين‏}‏ بكسر اللام‏.‏ وقرأ الحسن بفتحها‏.‏ وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات؛ لأن الإخلاص من عمل القلب‏.‏ وانتصاب ‏{‏حُنَفَاء‏}‏ على الحال من ضمير ‏{‏مخلصين‏}‏، فتكون من باب التداخل، ويجوز أن تكون من فاعل «يعبدوا»، والمعنى‏:‏ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ أصله أن يحنف إلى دين الإسلام، أي‏:‏ يميل إليه‏.‏ ‏{‏وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة‏}‏ أي‏:‏ يفعلوا الصلوات في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند محلها، وخصّ الصلاة والزكاة؛ لأنهما من أعظم أركان الدين‏.‏ قيل‏:‏ إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر‏.‏ وإن أريد ما في شريعتنا، فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا، وهما‏:‏ من جملة ما وقع الأمر به فيها‏.‏ ‏{‏وَذَلِكَ دِينُ القيمة‏}‏ أي‏:‏ وذلك المذكور من عبادة الله، وإخلاصها، وإقامة الصلاة، والزكاة ‏{‏دِينُ القيمة‏}‏ أي‏:‏ دين الملة المستقيمة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أي ذلك دين الملة المستقيمة، فالقيمة صفة لموصوف محذوف‏.‏ قال الخليل‏:‏ القيمة جمع القيم، والقيم‏:‏ القائم‏.‏

قال الفرّاء‏:‏ أضاف الدين إلى القيمة‏.‏ وهو نعته لاختلاف اللفظين‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ هو من إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة‏.‏

ثم بيّن سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِى نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏‏.‏ الموصول اسم «إنّ»، و‏{‏المشركين‏}‏ معطوف عليه، وخبرها ‏{‏في نار جهنم‏}‏، و‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ حال من المستكنّ في الخبر‏.‏ ويجوز أن يكون قوله‏:‏ و‏{‏المشركين‏}‏ مجروراً عطفاً على أهل الكتاب‏.‏ ومعنى كونهم في نار جهنم أنهم يصيرون إليها يوم القيامة، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ إلى من تقدّم ذكرهم من أهل الكتاب، والمشركين المتصفين بالكون في نار جهنم، والخلود فيها ‏{‏هُمْ شَرُّ البرية‏}‏ أي‏:‏ الخليقة، يقال برأ، أي‏:‏ خلق‏.‏ والبارئ الخالق‏.‏ والبرية الخليقة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏البرية‏}‏ بغير همز في الموضعين‏.‏ وقرأ نافع، وابن ذكوان فيها بالهمز‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ إن أخذت البرية من البراء، وهو التراب لم تدخل الملائكة تحت هذا اللفظ، وإن أخذتها من بريت القلم، أي‏:‏ قدّرته دخلت‏.‏ وقيل‏:‏ إن الهمز هو الأصل، لأنه يقال برأ الله الخلق بالهمز، أي‏:‏ ابتدعه واخترعه ومنه قوله‏:‏ ‏{‏مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 22‏]‏ ولكنها خففت الهمزة، والتزم تخفيفها عند عامة العرب‏.‏

ثم بيّن حال الفريق الآخر فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ أي‏:‏ جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ‏{‏أولئك‏}‏ المنعوتون بهذا ‏{‏هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏ قال‏:‏ والمراد أن أولئك شرّ البرية في عصره صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولا يبعد أن يكون كفار الأمم من هو شرّ منهم، وهؤلاء خير البرية في عصره صلى الله عليه وسلم ولا يبعد أن يكون في مؤمني الأمم السابقة من هو خير منهم‏.‏ ‏{‏جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ أي ثوابهم عند خالقهم بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان، والعمل الصالح ‏{‏جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار‏}‏‏.‏ والمراد بجنات عدن‏:‏ هي أوسط الجنات وأفضلها‏.‏ يقال عدن بالمكان يعدن عدناً، أي‏:‏ أقام‏.‏ ومعدن الشيء‏:‏ مركزه ومستقرّه، ومنه قول الأعشى‏:‏

وإن يستضافوا إلى علمه *** يضافوا إلى راجح قد عدن

وقد قدّمنا في غير موضع أنه إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر‏.‏ وإن أريد مجموع قرار الأرض والشجر، فجري الأنهار من تحتها باعتبار جزئها الظاهر، وهو الشجر‏.‏ ‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً‏}‏ لا يخرجون منها، ولا يظعنون عنها، بل هم دائمون في نعيمها مستمرّون في لذاتها، ‏{‏رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ الجملة مستأنفة لبيان ما تفضل الله به عليهم من الزيادة على مجرّد الجزاء‏.‏ وهو رضوانه عنهم حيث أطاعوا أمره، وقبلوا شرائعه، ورضاهم عنه حيث بلغوا من المطالب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر‏.‏

ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً، وأن تكون في محل نصب على الحال بإضمار قد‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ‏}‏ أي‏:‏ ذلك الجزاء والرضوان لمن وقعت منه الخشية لله سبحانه في الدنيا، وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشية التي وقعت له لا مجرّد الخشية مع الانهماك في معاصي الله سبحانه، فإنها ليست بخشية على الحقيقة‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مُنفَكّينَ‏}‏ قال‏:‏ برحين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏:‏ أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك‏.‏ واقرءوا إن شئتم‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ «قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ يا عائشة أما تقرئين‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏ ‏"‏ وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ‏"‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏ فكان أصحاب محمد إذا أقبل قالوا‏:‏ قد جاء خير البرية»‏.‏ وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً‏:‏ «علي خير البرية»‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ «لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ‏:‏ ‏"‏ هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ‏"‏ وأخرج ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ألا أخبركم بخير البرية‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه‏.‏ ألا أخبركم بشرّ البرية‏؟‏ قالوا بلى، قال‏:‏ الذي يسأل بالله ولا يعطي به ‏"‏ قال أحمد‏:‏ حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏‏.‏ فذكره‏.‏

سورة الزلزلة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ‏(‏1‏)‏ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ‏(‏2‏)‏ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ‏(‏3‏)‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ‏(‏4‏)‏ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ‏(‏6‏)‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ‏(‏7‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا‏}‏ أي‏:‏ إذا حركت حركة شديدة‏.‏ وجواب الشرط‏:‏ ‏{‏تحدث‏}‏، والمراد‏:‏ تحركها عند قيام الساعة، فإنها تضطرب حتى يتكسر كلّ شيء عليها‏.‏ قال مجاهد‏:‏ وهي النفخة الأولى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 6، 7‏]‏ وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضافه إلى الأرض، فهو مصدر مضاف إلى فاعله، والمعنى‏:‏ زلزالها المخصوص الذي يستحقه، ويقتضيه جرمها وعظمها‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏زلزالها‏}‏ بكسر الزاي، وقرأ الجحدري، وعيسى بفتحها، وهما مصدران بمعنى‏.‏ وقيل‏:‏ المكسور مصدر، والمفتوح اسم‏.‏ قال القرطبي‏:‏ والزلزال بالفتح مصدر كالوسواس، والقلقال ‏{‏وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا‏}‏ أي‏:‏ ما في جوفها من الأموات والدفائن، والأثقال جمع ثقل، قال أبو عبيدة، والأخفش‏:‏ إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها‏.‏ قال مجاهد‏:‏ أثقالها موتاها تخرجهم في النفخة الثانية‏.‏ وقد قيل‏:‏ للإنس والجنّ الثقلان، وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير‏.‏

‏{‏وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا‏}‏ أي‏:‏ قال كل فرد من أفراد الإنسان ما لها زلزلت‏؟‏ لما يدهمه من أمرها، ويبهره من خطبها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالإنسان الكافر، وقوله‏:‏ ‏{‏ما لها‏}‏ مبتدأ وخبر، وفيه معنى التعجيب، أي‏:‏ أيّ شيء لها، أو لأيّ شيء زلزلت وأخرجت أثقالها‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ بدل من «إذا»، والعامل فيهما قوله‏:‏ ‏{‏تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا‏}‏ ويجوز أن يكون العامل في إذا محذوفاً، والعامل في يومئذ تحدّث، والمعنى‏:‏ يوم إذا زلزلت وأخرجت تخبر بأخبارها، وتحدّثهم بما عمل عليها من خير وشرّ، وذلك إما بلسان الحال حيث يدلّ على ذلك دلالة ظاهرة، أو بلسان المقال، بأن ينطقها الله سبحانه‏.‏ وقيل هذا متصل بقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا‏}‏ أي‏:‏ قال ما لها ‏{‏تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا‏}‏ متعجباً من ذلك، وقال يحيى بن سلام‏:‏ تحدّث أخبارها بما أخرجت من أثقالها‏.‏ وقيل‏:‏ تحدّث بقيام الساعة، وأنها قد أتت، وأن الدنيا قد انقضت‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ تبين أخبارها بالرجفة والزلزلة، وإخراج الموتى، ومفعول تحدّث الأوّل محذوف، والثاني هو أخبارها، أي‏:‏ تحدّث الخلق أخبارها‏.‏ ‏{‏بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا‏}‏ متعلق ب ‏{‏تحدّث‏}‏، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها‏.‏ وقيل‏:‏ الباء زائدة، وأنّ وما في حيزها بدل من ‏{‏أخبارها‏}‏، وقيل‏:‏ الباء سببية، أي‏:‏ بسبب إيحاء الله إليها‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ تحدّث أخبارها بوحي الله وإذنه لها، واللام في ‏{‏أوحى لها‏}‏ بمعنى إلى وإنما أثرت على «إلى» لموافقة الفواصل، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى‏.‏ كذا قال أبو عبيدة‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏أوحى‏}‏ يتعدّى باللام تارة، وبإلى أخرى‏.‏ وقيل‏:‏ إن اللام على بابها من كونها للعلة‏.‏ والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، والتقدير‏:‏ أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي‏:‏ لأجل ما يفعلون فيها‏.‏

والأوّل أولى‏.‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً‏}‏ الظرف إما بدل من ‏{‏يومئذ‏}‏ الذي قبله، وإما منصوب بمقدّر هو ‏"‏ اذكر ‏"‏، وإما منصوب بما بعده، والمعنى‏:‏ يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتاً، أي‏:‏ متفرّقين، والصدر‏:‏ الرجوع وهو ضدّ الورود‏.‏ وقيل‏:‏ يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار، وانتصاب ‏{‏أشتاتاً‏}‏ على الحال والمعنى‏:‏ أن بعضهم آمن، وبعضهم خائف، وبعضهم بلون أهل الجنة، وهو البياض، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين، وبعضهم إلى جهة الشمال، مع تفرّقهم في الأديان، واختلافهم في الأعمال‏.‏ ‏{‏لّيُرَوْاْ أعمالهم‏}‏ متعلق ب ‏{‏يصدر‏}‏، وقيل‏:‏ فيه تقديم وتأخير، أي‏:‏ تحدّث أخبارها بأن ربك أوحى لها؛ ليروا أعمالهم ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً‏}‏‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ليروا‏}‏ مبنياً للمفعول‏.‏ وهو من رؤية البصر، أي‏:‏ ليريهم الله أعمالهم‏.‏ وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل، ورويت هذه القراءة عن نافع، والمعنى‏:‏ ليروا جزاء أعمالهم‏.‏

‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏}‏ أي‏:‏ وزن نملة‏.‏ وهي أصغر ما يكون من النمل‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرّة خيراً يره يوم القيامة في كتابه، فيفرح به‏.‏ وكذلك ‏{‏الجن مَن يَعْمَلُ‏}‏ في الدنيا ‏{‏مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‏}‏ يوم القيامة فيسوؤه‏.‏ ومثل هذه الآية قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 40‏]‏‏.‏ وقال بعض أهل اللغة‏:‏ إن الذرّة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما علق من التراب، فهو الذرّة‏.‏ وقيل‏:‏ الذرّ ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، والأوّل أولى‏.‏ ومنه قول امرئ القيس‏:‏

من القاصرات الطرف لو دبّ محول *** من الذرّ فوق الإتب منها لأثرا

و«من» الأولى عبارة عن السعداء، و«من» الثانية عبارة عن الأشقياء‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ فمن يعمل مثقال ذرّة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا، وفي نفسه، وماله، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرّة من شرّ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله، ونفسه، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شرّ، والأوّل أولى‏.‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل، فيستقلّ أن يعطيه التمرة والكسرة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول‏:‏ إنما أوعد الله النار على الكافرين‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يره‏}‏ في الموضعين بضم الهاء وصلاً، وسكونها وقفاً، وقرأ هشام بسكونها وصلاً ووقفاً‏.‏ ونقل أبو حيان عن هشام، وأبي بكر سكونها، وعن أبي عمرو ضمها مشبعة، وباقي السبعة بإشباع الأولى، وسكون الثانية، وفي هذا الثقل نظر، والصواب ما ذكرنا‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يره‏}‏ مبنياً للفاعل في الموضعين‏.‏ وقرأ ابن عباس، وابن عمر، والحسن والحسين ابنا عليّ، وزيد بن عليّ، وأبو حيوة، وعاصم، والكسائي في رواية عنهما، والجحدري، والسلمي، وعيسى على البناء للمفعول فيهما، أي‏:‏ يريه الله إياه‏.‏ وقرأ عكرمة‏:‏ ‏{‏يراه‏}‏ على توهم أن من موصولة، أو على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدّرة في الفعل‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا‏}‏ قال‏:‏ تحرّكت من أسفلها ‏{‏وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا‏}‏ قال‏:‏ الموتى‏.‏ ‏{‏وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا‏}‏ قال‏:‏ الكافر يقول ما لها‏.‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا‏}‏ قال‏:‏ قال لها ربك قولي‏.‏ ‏{‏بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا‏}‏ قال‏:‏ أوحى لها‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً‏}‏ قال‏:‏ من كل من هاهنا، وهاهنا‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه ‏{‏وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا‏}‏ قال‏:‏ الكنوز والموتى‏.‏ وأخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول‏:‏ في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول‏:‏ في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول‏:‏ في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا ‏"‏ وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا‏}‏ قال‏:‏ أتدرون ما أخبارها‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا، وكذا، فهذا أخبارها ‏"‏ وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن الأرض لتجيء يوم القيامة بكل عمل عمل على ظهرها ‏"‏ وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا‏}‏ حتى بلغ ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا‏}‏‏.‏

وأخرج الطبراني عن ربيعة الخرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً، أو شرّاً إلاّ وهي مخبرة ‏"‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم في تاريخه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال‏:‏ «بينما أبو بكر الصدّيق يأكل مع النبيّ إذ نزلت عليه‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‏}‏‏.‏ فرفع أبو بكر يده، وقال‏:‏ يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرّة من شرّ‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏ يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره، فبمثاقيل ذرّ الشرّ، ويدخر لك مثاقيل ذرّ الخير حتى توفاه يوم القيامة ‏"‏

وأخرج إسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، والحاكم، وابن مردويه عن أبي أسماء قال‏:‏ بينا أبو بكر يتغدّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‏}‏ فأمسك أبو بكر وقال‏:‏ يا رسول الله ما عملنا من شرّ رأيناه، فقال‏:‏ «ما ترون مما تكرهون، فذاك مما تجزون، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة» وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ أنزلت ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا‏}‏، وأبو بكر الصديق قاعد، فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما يبكيك يا أبا بكر‏؟‏» قال‏:‏ يبكيني هذه السورة، فقال‏:‏ «لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر لكم لخلق الله قوماً يخطئون ويذنبون، فيغفر لهم» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الخيل لثلاثة‏:‏ لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر‏.‏‏.‏‏.‏» الحديث‏.‏ وقال‏:‏ وسئل عن الحمر فقال‏:‏ «ما أنزل عليّ فيها إلاّ هذه الآية الجامعة الفاذة ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‏}‏»‏.‏

سورة العاديات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ‏(‏1‏)‏ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ‏(‏2‏)‏ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ‏(‏4‏)‏ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ‏(‏8‏)‏ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ‏(‏9‏)‏ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

العاديات جمع عادية‏.‏ وهي الجارية بسرعة، من العدو‏:‏ وهو المشي بسرعة، فأبدلت الواو ياء لكسر ما قبلها كالغازيات من الغزو‏.‏ والمراد بها الخيل العادية في الغزو نحو العدوّ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ضَبْحاً‏}‏ مصدر مؤكد لاسم الفاعل‏.‏ فإن الضبح نوع من السير، ونوع من العدو‏.‏ يقال ضبح الفرس‏:‏ إذا عدا بشدّة، مأخوذ من الضبع، وهو الدفع، وكأن الحاء بدل من العين‏.‏ قال أبو عبيدة، والمبرد‏:‏ الضبح من إضباحها في السير ومنه قول عنترة‏:‏

والخيل تكدح في حياض الموت ضبحا *** ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي‏:‏ ضابحات، أو ذوات ضبح، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي‏:‏ تضبح ضبحاً‏.‏ وقيل الضبح‏:‏ صوت حوافرها إذا عدت‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت، قيل كانت تكعم لئلا تصهل، فيعلم العدوّ بهم، فكانت تتنفس في هذه الحالة بقوّة، وقيل الضبح‏:‏ صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو ليس بصهيل‏.‏ وقد ذهب الجمهور إلى ما ذكرنا من أن ‏{‏العاديات ضبحاً‏}‏ هي الخيل‏.‏ وقال عبيد بن عمير، ومحمد بن كعب والسديّ‏:‏ هي الإبل، ومنه قول صفية بنت عبد المطلب‏:‏

فلا والعاديات غداة جمع *** بأيديها إذا صدع الغبار

ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح للثعلب، فاستعير للخيل، ومنه قول الشاعر‏:‏

تضبح في الكف ضباح الثعلب *** ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ هي الخيل حين توري النار بسنابكها‏.‏ والإيراء إخراج النار، والقدح الصكّ، فجعل ضرب الخيل بحوافرها كالقدح بالزناد‏.‏ قال الزجاج‏:‏ إذا عدت الخيل بالليل، وأصاب حوافرها الحجارة انقدح منها النيران، والكلام في انتصاب ‏{‏قدحاً‏}‏ كالكلام في انتصاب ‏{‏ضبحاً‏}‏، والخلاف في كونها الخيل أو الإبل، كالخلاف الذي تقدّم في العاديات‏.‏ والراجح أنها الخيل، كما ذهب إليه الجمهور، وكما هو الظاهر من هذه الأوصاف المذكورة في هذه السورة ما تقدّم منها وما سيأتي، فإنها في الخيل أوضح منها في الإبل، وسيأتي ما في ذلك من الخلاف بين الصحابة‏.‏ ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ أي‏:‏ التي تغير على العدوّ وقت الصباح، يقال أغار يغير إغارة إذا باغت عدوّه بقتل، أو أسر، أو نهب، وأسند الإغارة إليها وهي لأهلها للإشعار بأنها عمدتهم في إغارتهم، وانتصاب ‏{‏صبحاً‏}‏ على الظرفية‏.‏

‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ معطوف على الفعل الذي دلّ عليه اسم الفاعل، إذ المعنى‏:‏ واللاتي عدون فأثرن، أو على اسم الفاعل نفسه لكونه في تأويل الفعل لوقوعه صلة للموصول، فإن الألف واللام في الصفات أسماء موصولة، فالكلام في قوّة‏:‏ واللاتي عدون، فأورين، فأغرن، فأثرن، والنقع‏:‏ الغبار الذي أثرته في وجه العدو عند الغزو، وتخصيص إثارته بالصبح؛ لأنه وقت الإغارة، ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل الذي اتصل به الصبح‏.‏

وقيل المعنى‏:‏ فأثرن بمكان عدوهنّ نقعاً، يقال ثار النقع، وأثرته، أي‏:‏ هاج، أو هيجته‏.‏ قرأ الجمهور ‏(‏فأثرن‏)‏ بتخفيف المثلثة‏.‏ وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالتشديد، أي‏:‏ فأظهرن به غباراً، وقال أبو عبيدة‏:‏ النقع رفع الصوت، وأنشد قول لبيد‏:‏

فمتى ينقع صراخ صادق *** يجلبوها ذات جرس وزجل

يقول‏.‏ حين سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي‏:‏ جمعوا لها‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم انتهى، والمعروف عند جمهور أهل اللغة والمفسرين أن النقع‏:‏ الغبار، ومنه قول الشاعر‏:‏

يخرجن من مستطار النقع دامية *** كأنّ أذنابها أطراف أقلام

وقول عبد الله بن رواحة‏:‏

عدمنا خيلنا إن لم تروها *** تثير النقع من كنفي كداء

وقول الآخر‏:‏

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا *** وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

وهذا هو المناسب لمعنى الآية، وليس لتفسير النقع بالصوت فيها كثير معنى، فإن قولك أغارت الخيل على بني فلان صبحاً، فأثرن به صوتاً، قليل الجدوى مغسول المعنى بعيد من بلاغة القرآن المعجزة‏.‏ وقيل النقع‏:‏ شقّ الجيوب، وقال محمد بن كعب‏:‏ النقع ما بين مزدلفة إلى منى‏.‏ وقيل‏:‏ إنه طريق الوادي‏.‏ قال في الصحاح‏:‏ النقع الغبار، والجمع أنقاع، والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه، والنقع الأرض الحرّة الطين يستنقع فيها الماء‏.‏ ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ أي‏:‏ توسطن بذلك الوقت، أو توسطن ملتبسات بالنقع جمعاً من جموع الأعداء، أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء، والباء إما للتعدية، أو للحالية، أو زائدة، يقال‏:‏ وسطت المكان، أي‏:‏ صرت في وسطه، وانتصاب جمعاً على أنه مفعول به، والفاآت في المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل واحدة منها على ما قبلها‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فوسطن‏}‏ بتخفيف السين‏.‏ وقرئ بالتشديد‏.‏

‏{‏إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ‏}‏ هذا جواب القسم، والمراد بالإنسان بعض أفراده، وهو الكافر، والكنود‏:‏ الكفور للنعمة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لِرَبّهِ‏}‏ متعلق بكنود‏.‏ قدّم لرعاية الفواصل، ومنه قول الشاعر‏:‏

كنود لنعماء الرجال ومن يكن *** كنوداً لنعماء الرجال يبعد

أي‏:‏ كفور لنعماء الرجال‏.‏ وقيل‏:‏ هو الجاحد للحقّ‏.‏ قيل‏:‏ إنها إنما سميت كندة، لأنها جحدت أباها‏.‏ وقيل‏:‏ الكنود مأخوذ من الكند‏.‏ وهو القطع، كأنه قطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر‏.‏ يقال كند الحبل‏:‏ إذا قطعه، ومنه قول الأعشى‏:‏

وصول حبال وكنادها *** وقيل‏:‏ الكنود‏:‏ البخيل، وأنشد أبو زيد‏:‏

إن نفسي لم تطب منك نفسا *** غير أني أمسي بدين كنود

وقيل‏:‏ الكنود الحسود‏.‏ وقيل‏:‏ الجهول لقدره، وتفسير الكنود بالكفور للنعمة أولى بالمقام؛ والجاحد للنعمة كافر لها، ولا يناسب المقام سائر ما قيل‏.‏ ‏{‏وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ‏}‏ أي‏:‏ وإن الإنسان على كنوده لشهيد يشهد على نفسه به لظهور أثره عليه‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ وإن الله جلّ ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد، وبه قال الجمهور‏.‏

وقال بالأوّل الحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وهو أرجح من قول الجمهور لقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ‏}‏ فإن الضمير راجع إلى الإنسان، والمعنى‏:‏ إنه لحبّ المال قويّ مجدّ في طلبه، وتحصيله متهالك عليه، يقال هو شديد لهذا الأمر وقويّ له‏:‏ إذا كان مطيقاً له، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَرَكَ خَيْرًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 180‏]‏ ومنه قول عديّ بن حاتم‏:‏

ماذا ترجى النفوس من طلب ال *** خير وحبّ الحياة كاربها

وقيل المعنى‏:‏ وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل، والأوّل أولى‏.‏ واللام في‏:‏ ‏{‏لِحُبّ‏}‏ متعلقة بشديد‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شرّاً، ولكن الناس يجدونه خيراً، فسماه خيراً‏.‏ قال الفراء‏:‏ أصل نظم الآية أن يقال‏:‏ وإنه لشديد الحبّ للخير، فلما قدّم الحبّ قال‏:‏ لشديد، وحذف من آخره ذكر الحبّ؛ لأنه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي كقوله‏:‏ ‏{‏فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 18‏]‏ والعصوف للريح لا لليوم، كأنه قال‏:‏ في يوم عاصف الريح‏.‏

‏{‏أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى القبور‏}‏ الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، أي‏:‏ يفعل ما يفعل من القبائح، فلا يعلم، و‏{‏بعثر‏}‏ معناه نثر وبحث، أي‏:‏ نثر ما في القبور من الموتى، وبحث عنهم وأخرجوا‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ بعثرت المتاع جعلت أسفله أعلاه‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ سمعت بعض العرب من بني أسد يقول‏:‏ بحثر بالحاء مكان العين، وقد تقدّم الكلام على هذا في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 4‏]‏‏.‏ ‏{‏وَحُصّلَ مَا فِى الصدور‏}‏ أي‏:‏ ميز وبيّن ما فيها من الخير والشرّ، والتحصيل التمييز، كذا قال المفسرون، وقيل‏:‏ حصل أبرز‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حصل‏}‏ بضم الحاء، وتشديد الصاد مكسوراً مبنياً للمفعول‏.‏ وقرأ عبيد بن عمير، وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم حصل بفتح الحاء والصاد، وتخفيفها مبنياً للفاعل، أي‏:‏ ظهر‏.‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ إن ربّ المبعوثين بهم لخبير لا تخفى عليه منهم خافية، فيجازيهم بالخير خيراً، وبالشرّ شرّاً‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الله خبير بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى‏:‏ إن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 63‏]‏ معناه‏:‏ أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إن ربهم‏}‏ بكسر الهمزة، وباللام في لخبير‏.‏ وقرأ أبو السماك بفتح الهمزة، وإسقاط اللام من ‏{‏لخبير‏}‏‏.‏

وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً، فاستمرّت شهراً لا يأتيه منها خبر، فنزلت‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ ضبحت بأرجلها‏.‏ ولفظ ابن مردويه‏:‏ ضبحت بمناخرها‏.‏ ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ قدحت بحوافرها الحجارة، فأورت ناراً‏.‏

‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ صبحت القوم بغارة‏.‏ ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ أثارت بحوافرها التراب‏.‏ ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ صبحت القوم جميعاً‏.‏ وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه قال‏:‏ «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى العدوّ، فأبطأ خبرها، فشقّ ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم، وما كان من أمرهم، فقال‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏‏.‏ قال‏:‏ هي الخيل»‏.‏ والضبح نخير الخيل حين تنخر‏.‏ ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ قال‏:‏ حين تجري الخيل توري ناراً أصابت بسنابكها الحجارة‏.‏ ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ قال‏:‏ هي الخيل أغارت، فصبحت العدوّ ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ قال‏:‏ هي الخيل أثرن بحوافرها، يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار‏.‏ ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ قال‏:‏ الجمع العدو‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال‏:‏ تقاولت أنا، وعكرمة في شأن العاديات، فقال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ هي الخيل في القتال، وضبحها حين ترخي مشافرها إذا عدت ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ أرت المشركين مكرهم‏.‏ ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ قال‏:‏ إذا صبحت العدو ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ قال‏:‏ إذا توسطت العدو‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ فقلت قال عليّ‏:‏ هي الإبل في الحج ومولاي كان أعلم من مولاك‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل يسأل عن ‏{‏العاديات ضبحاً‏}‏، فقلت‏:‏ الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم، فانفتل عني، فذهب إلى عليّ بن أبي طالب، وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن ‏{‏العاديات ضبحاً‏}‏، فقال‏:‏ سألت عنها أحداً قبلي‏؟‏ قال‏:‏ نعم سألت عنها ابن عباس، فقال‏:‏ هي الخيل حين تغير في سبيل الله، فقال‏:‏ اذهب، فادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال‏:‏ تفتي الناس بما لا علم لك، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلاّ فرسان فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏‏.‏ إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوقدوا النيران، والمغيرات صبحاً‏:‏ من المزدلفة إلى منى، فذلك جمع، وأما قوله‏:‏ ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ فهي‏:‏ نقع الأرض تطؤه بأخفافها وحوافرها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال عليّ‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال‏:‏ الإبل‏.‏ أخرجه عنه من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ وقال عليّ بن أبي طالب‏:‏ هي الإبل‏.‏ وقال ابن عباس هي الخيل‏.‏ فبلغ علياً قول ابن عباس‏:‏ فقال‏:‏ ما كانت لنا خيل يوم بدر‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ إنما كانت تلك في سرية بعثت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي قال‏:‏ تمارى عليّ، وابن عباس في ‏{‏العاديات ضبحاً‏}‏ فقال ابن عباس‏:‏ هي الخيل؛ وقال عليّ‏:‏ كذبت يا ابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس إلاّ المقداد كان على فرس أبلق‏.‏

قال‏:‏ وكان يقول هي‏:‏ الإبل، فقال ابن عباس‏:‏ ألا ترى أنها تثير نقعاً، فما شيء تثير إلاّ بحوافرها‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال‏:‏ الخيل‏.‏ ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ قال‏:‏ الرجل إذا أورى زنده‏.‏ ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ قال‏:‏ الخيل تصبح العدوّ‏.‏ ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ قال‏:‏ التراب‏.‏ ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ قال‏:‏ العدوّ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ القتال‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ الحج‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال‏:‏ ليس شيء من الدواب يضبح إلاّ الكلب، أو الفرس‏.‏ ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ قال‏:‏ هو مكر الرجل قدح، فأورى‏.‏ ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ قال‏:‏ غارة الخيل صبحاً‏.‏ ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ قال‏:‏ غبار وقع سنابك الخيل‏.‏ ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ قال‏:‏ جمع العدوّ‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال‏:‏ الخيل ضبحها زحيرها‏.‏ ألم تر أن الفرس إذا عدا قال‏:‏ أح أح، فذلك ضبحها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عليّ قال‏:‏ الضبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النفس‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال‏:‏ هي الإبل في الحج‏.‏ ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ إذا سفت الحصى بمناسمها، فضرب الحصى بعضه بعضاً، فيخرج منه النار‏.‏ ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ حين يفيضون من جمع‏.‏ ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ قال‏:‏ إذا سرن يثرن التراب‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ الكنود بلساننا أهل البلد الكفور‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ‏}‏ قال لكفور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في الأدب، والحكيم الترمذي، وابن مردويه عن أبي أمامة قال‏:‏ الكنود الذي يمنع رفده، وينزل وحده، ويضرب عبده‏.‏ ورواه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والديلمي، وابن عساكر مرفوعاً، وضعف إسناده السيوطي، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو متروك، والموقوف أصح؛ لأنه لم يكن من طريقه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ‏}‏ قال‏:‏ الإنسان ‏{‏وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير‏}‏ قال‏:‏ المال‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه‏:‏ ‏{‏إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى القبور‏}‏ قال‏:‏ بحث ‏{‏وَحُصّلَ مَا فِى الصدور‏}‏ قال‏:‏ أبرز‏.‏

سورة القارعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏الْقَارِعَةُ ‏(‏1‏)‏ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏2‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏3‏)‏ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ‏(‏4‏)‏ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ‏(‏5‏)‏ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏6‏)‏ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏8‏)‏ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ‏(‏10‏)‏ نَارٌ حَامِيَةٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏القارعة‏}‏ من أسماء القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء الله بالعذاب‏.‏ والعرب تقول قرعتهم القارعة‏:‏ إذا وقع بهم أمر فظيع‏.‏ قال ابن أحمر‏:‏

وقارعة من الأيام لولا *** سبيلهم لراحت عنك حينا

وقال آخر‏:‏

متى نقرع بمروتكم نسؤكم *** ولما يوقد لنا في القدر نار

‏{‏والقارعة‏}‏ مبتدأ، وخبرها قوله‏:‏ ‏{‏مَا القارعة‏}‏‏.‏ وبالرفع قرأ الجمهور، وقرأ عيسى بنصبها على تقدير‏:‏ احذروا القارعة‏.‏ والاستفهام للتعظيم، والتفخيم لشأنها، كما تقدّم بيانه في قوله‏:‏ ‏{‏الحاقة * مَا الحاقة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 1 3‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الكلام على التحذير‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد قول الشاعر‏:‏

لجديرون بالوفاء إذا قال *** أخو النجدة السلاح السلاح

والحمل على معنى التفخيم، والتعظيم أولى، ويؤيده وضع الظاهر موضع الضمير، فإنه أدلّ على هذا المعنى‏.‏ ويؤيده أيضاً قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة‏}‏ فإنه تأكيد لشدّة هولها، ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم، وما الاستفهامية مبتدأ، و‏{‏أدراك‏}‏ خبرها‏.‏ و‏{‏ما القارعة‏}‏ مبتدأ وخبر‏.‏ والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني؛ والمعنى‏:‏ وأيّ شيء أعلمك ما شأن القارعة‏؟‏ ثم بيّن سبحانه متى تكون القارعة فقال‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث‏}‏‏.‏ وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدلّ عليه القارعة، أي‏:‏ تقرعهم يوم يكون الناس إلخ، ويجوز أن يكون منصوباً بتقدير اذكر‏.‏ وقال ابن عطية، ومكي، وأبو البقاء‏:‏ هو منصوب بنفس القارعة، وقيل‏:‏ هو خبر مبتدأ محذوف، وإنما نصب لإضافته إلى الفعل، فالفتحة فتحة بناء لا فتحة إعراب، أي‏:‏ هي يوم يكون إلخ‏.‏ وقيل التقدير‏:‏ ستأتيكم القارعة يوم يكون‏.‏ وقرأ زيد بن عليّ برفع يوم على الخبرية للمبتدأ المقدّر‏.‏ والفراش‏:‏ الطير الذي تراه يتساقط في النار، والسراج، والواحدة فراشة، كذا قال أبو عبيدة وغيره‏.‏ قال الفراء‏:‏ الفراش هو الطائر من بعوض وغيره، ومنه الجراد‏.‏ قال وبه يضرب المثل في الطيش، والهوج، يقال‏:‏ أطيش من فراشة، وأنشد‏:‏

فراشة الحلم فرعون العذاب وإن *** يطلب نداه فكلب دونه كلب

وقول آخر‏:‏

وقد كان أقوام رددت حلومهم *** عليهم وكانوا كالفراش من الجهل

والمراد بالمبثوث المتفرّق المنتشر‏.‏ يقال بثه‏:‏ إذا فرقه‏.‏ ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 7‏]‏ وقال ‏{‏المبثوث‏}‏، ولم يقل المبثوثة؛ لأن الكل جائز، كما في قوله‏:‏ ‏{‏أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 20‏]‏ و‏{‏أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ وقد تقدّم بيان وجه ذلك‏.‏ ‏{‏وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش‏}‏ أي‏:‏ كالصوف الملوّن بالألوان المختلفة الذي نفش بالندف‏.‏ والعهن عند أهل اللغة‏:‏ الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة، وقد تقدّم بيان هذا في سورة سأل سائل، وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم القيامة‏.‏

وقد قدّمنا بيان الجمع بينها‏.‏

ثم ذكر سبحانه أحوال الناس، وتفرّقهم فريقين على جهة الإجمال فقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه * فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ‏}‏ قد تقدّم القول في الميزان في سورة الأعراف، وسورة الكهف، وسورة الأنبياء‏.‏

وقد اختلف فيها هنا‏.‏ فقيل‏:‏ هي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وبه قال الفرّاء وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ هي جمع ميزان‏.‏ وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال، وعبر عنه بلفظ الجمع، كما يقال لكلّ حادثة ميزان، وقيل‏:‏ المراد بالموازين الحجج والدلائل، كما في قول الشاعر‏:‏

لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة *** عندي لكلّ مخاصم ميزانه

ومعنى عيشة راضية مرضية يرضاها صاحبها‏.‏ قال الزجاج، أي‏:‏ ذات رضى يرضاها صاحبها‏.‏ وقيل‏:‏ عيشة راضية أي‏:‏ فاعلة للرضى، وهو اللين، والانقياد لأهلها‏.‏ والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه‏}‏ أي‏:‏ رجحت سيئاته على حسناته، أو لم تكن له حسنات يعتدّ بها ‏{‏فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ‏}‏ أي‏:‏ فمسكنه جهنم‏.‏ وسماها أمه؛ لأنه يأوي إليه، كما يأوي إلى أمه‏.‏ والهاوية من أسماء جهنم‏.‏ وسميت هاوية؛ لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها‏.‏ ومنه قول أمية بن أبي الصلت‏:‏

فالأرض معقلنا وكانت أمنا *** فيها مقابرنا وفيها نولد

وقول الآخر‏:‏

يا عمرو لو نالتك أرماحنا *** كنت كمن تهوي به الهاوية

والمهوى، والمهواة‏:‏ ما بين الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة‏:‏ إذا سقط بعضهم في إثر بعض‏.‏ قال قتادة‏:‏ معنى ‏{‏فَأُمُّهُ هاوية‏}‏ فمصيره إلى النار‏.‏ قال عكرمة‏:‏ لأنه يهوي فيها على أمّ رأسه‏.‏ قال الأخفش‏:‏ أمه مستقرّه‏.‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ ماهية‏}‏ هذا الاستفهام للتهويل، والتفظيع ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر، ولا تدري كنهها‏.‏ ثم بيّنها سبحانه فقال‏:‏ ‏{‏نَارٌ حَامِيَةٌ‏}‏ أي‏:‏ قد انتهى حرّها، وبلغ في الشدّة إلى الغاية، وارتفاع نار على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ هي نار حامية‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏القارعة‏}‏ من أسماء يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ‏}‏ قال‏:‏ كقوله هوت أمه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة‏:‏ ‏{‏فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ‏}‏ قال‏:‏ أمّ رأسه هاوية في جهنم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة‏؟‏ فإذا كان مات، ولم يأتهم قالوا‏:‏ خولف به إلى أمه الهاوية، فبئست الأمّ، وبئست المربية» وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب الأنصاري نحوه‏.‏ وأخرج ابن المبارك من حديث أبي أيوب نحوه أيضاً‏.‏

سورة التكاثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ‏(‏1‏)‏ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ‏(‏2‏)‏ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ‏(‏5‏)‏ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ‏(‏6‏)‏ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ أي‏:‏ شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بكثرتها، والتغالب فيها‏.‏ يقال‏:‏ ألهاه عن كذا، وألهاه‏:‏ إذا شغله، ومنه قول امرئ القيس‏:‏

فألهيتها عن ذي تمائم محول *** وقال الحسن‏:‏ معنى ألهاكم‏:‏ أنساكم‏.‏ ‏{‏حتى زُرْتُمُ المقابر‏}‏ أي‏:‏ حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن التكاثر التفاخر بالقبائل والعشائر‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ ألهاكم التشاغل بالمعاش‏.‏ وقال مقاتل، وقتادة أيضاً، وغيرهما‏:‏ نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ نزلت في حيين من قريش‏:‏ بني عبد مناف، وبني سهم تعادّوا، وتكاثروا بالسيادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حيّ منهم‏:‏ نحن أكثر سيداً، وأعزّ عزيزاً، وأعظم نفراً، وأكثر قائداً، فكثر بنو عبد مناف بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم بهم، فنزلت‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ فلم ترضوا ‏{‏حتى زُرْتُمُ المقابر‏}‏ مفتخرين بالأموات‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في حيين من الأنصار‏.‏ والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها‏.‏ وفي الآية دليل على أن الاشتغال بالدنيا، والمكاثرة بها، والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة، وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ ولم يقل عن كذا، بل أطلقه؛ لأن الإطلاق أبلغ في الذمّ؛ لأنه يذهب الوهم فيه كلّ مذهب، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام، ولأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم، كما تقرّر في علم البيان؛ والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن كلّ شيء يجب عليكم الاشتغال به من طاعة الله، والعمل للآخرة، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر؛ لأن الميت قد صار إلى قبره، كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره هذا على قول من قال‏:‏ إن معنى ‏{‏زُرْتُمُ المقابر‏}‏ متم، أما على قول من قال‏:‏ إن معنى‏:‏ ‏{‏زُرْتُمُ المقابر‏}‏ ذكرتم الموتى، وعددتموهم للمفاخرة، والمكاثرة، فيكون ذلك على طريق التهكم بهم، وقيل‏:‏ إنهم كانوا يزورون المقابر، فيقولون هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك‏.‏

‏{‏كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ردع وزجر لهم عن التكاثر، وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة، وفيه وعيد شديد‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ أي‏:‏ ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر‏.‏ ثم كرّر الردع والزجر، والوعيد فقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأوّل، وقيل‏:‏ الأوّل عند الموت أو في القبر، والثاني يوم القيامة‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ هذا التكرار على وجه التغليظ والتأكيد‏.‏ قال مجاهد‏:‏ هو وعيد بعد وعيد‏.‏ وكذا قال الحسن، ومجاهد‏.‏ ‏{‏كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين‏}‏ أي‏:‏ لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علماً يقيناً كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا، وجواب «لو» محذوف، أي‏:‏ لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر، أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير، وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم فيه‏.‏

و ‏{‏كلا‏}‏ في هذا الموضع الثالث للزجر، والردع كالموضعين الأوّلين‏.‏ وقال الفرّاء‏:‏ هي بمعنى حقاً‏.‏ وقيل‏:‏ هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا‏.‏ قال قتادة‏:‏ اليقين هنا الموت، وروي عنه أيضاً أنه قال‏:‏ هو البعث‏.‏ قال الأخفش‏:‏ التقدير لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لَتَرَوُنَّ الجحيم‏}‏ جواب قسم محذوف، وفيه زيادة وعيد وتهديد، أي‏:‏ والله لترونّ الجحيم في الآخرة‏.‏ قال الرازي‏:‏ وليس هذا جواب لو، لأن جواب لو يكون منفياً، وهذا مثبت‏.‏ ولأنه عطف عليه ‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ‏}‏ وهو‏:‏ مستقبل لا بدّ من وقوعه قال‏:‏ وحذف جواب لو كثير، والخطاب للكفار، وقيل‏:‏ عام كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 71‏]‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لترون‏}‏ بفتح التاء مبنياً للفاعل وقرأ الكسائي، وابن عامر بضمها مبنياً للمفعول‏.‏ ثم كرّر الوعيد والتهديد للتأكيد فقال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين‏}‏ أي‏:‏ ثم لترونّ الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل المعنى‏:‏ لترونّ الجحيم بأبصاركم على البعد منكم، ثم لترونها مشاهدة على القرب‏.‏ وقيل المراد بالأوّل رؤيتها قبل دخولها، والثاني رؤيتها حال دخولها‏.‏ وقيل‏:‏ هو إخبار عن دوام بقائهم في النار، أي‏:‏ هي رؤية دائمة متصلة‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ لو تعلمون اليوم علم اليقين، وأنتم في الدنيا لترونّ الجحيم بعيون قلوبكم، وهو أن تتصوّروا أمر القيامة وأهوالها‏.‏

‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم‏}‏ أي‏:‏ عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة‏.‏ قال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا ربّ النعم حيث عبدوا غيره، وأشركوا به‏.‏ قال الحسن‏:‏ لا يسأل عن النعيم إلاّ أهل النار‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه، وهذا هو الظاهر، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع؛ لأن تعريفه للجنس، أو الاستغراق، ومجرّد السؤال لا يستلزم تعذيب المسئول على النعمة التي يسئل عنها، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها، وبم عمل فيها‏؟‏ ليعرف تقصيره، وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر‏.‏ وقيل‏:‏ السؤال عن الأمن والصحة‏.‏ وقيل‏:‏ عن الصحة والفراغ، وقيل‏:‏ عن الإدراك بالحواسّ، وقيل‏:‏ عن ملاذ المأكول والمشروب‏.‏ وقيل‏:‏ عن الغداء والعشاء‏.‏ وقيل‏:‏ عن بارد الشراب وظلال المساكن‏.‏ وقيل‏:‏ عن اعتدال الخلق‏.‏ وقيل‏:‏ عن لذة النوم، والأولى العموم، كما ذكرنا‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بردة في قوله‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ قال‏:‏ نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما‏:‏ فيكم مثل فلان، وفلان‏.‏

وقال الآخرون‏:‏ مثل ذلك تفاخروا بالأحياء‏.‏ ثم قالوا‏:‏ انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول‏:‏ فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، ومثل فلان، وفعل الآخرون كذلك، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر * حتى زُرْتُمُ المقابر‏}‏ لقد كان لكم فيما زرتم عبرة وشغل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ قال‏:‏ في الأموال والأولاد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألهاكم التكاثر» يعني عن الطاعة ‏{‏حتى زُرْتُمُ المقابر‏}‏ يقول‏:‏ حتى يأتيكم الموت ‏{‏كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لو قد دخلتم قبوركم ‏{‏ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ يقول‏:‏ لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم‏.‏ ‏{‏كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين‏}‏ قال‏:‏ لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم‏.‏ ‏{‏لَتَرَوُنَّ الجحيم‏}‏ وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكدوش في نار جهنم‏.‏ ‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم‏}‏ يعني‏:‏ شبع البطون، وبارد الشرب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم مرفوعاً نحوه‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم‏}‏ قال‏:‏ صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 36‏]‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم‏}‏ قال‏:‏ الأمن، والصحة‏.‏ وأخرج البيهقي عن عليّ بن أبي طالب قال‏:‏ النعيم العافية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال‏:‏ من أكل خبز البرّ، وشرب ماء الفرات مبرداً، وكان له منزل يسكنه، فذلك من النعيم الذي يسأل عنه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية‏:‏ ‏"‏ أكل خبز البرّ، والنوم في الظلّ، وشرب ماء الفرات مبرداً ‏"‏ ولعل رفع هذا لا يصح، فربما كان من قول أبي الدرداء‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد، وابن مردويه عن أبي قلابة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الآية قال‏:‏ ‏"‏ ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقيّ، فيأكلونه ‏"‏ وهذا مرسل‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏.‏ قال الصحابة‏:‏ «يا رسول الله أيّ نعيم نحن فيه‏؟‏ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن قل لهم‏:‏ أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد، فهذا من النعيم»‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وأحمد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن محمود بن لبيد قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ فقرأ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم‏}‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله أيّ نعيم نسأل عنه‏؟‏ وإنما هما الأسودان‏:‏ الماء، والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدوّ حاضر، فعن أيّ نعيم نسأل‏؟‏ قال‏:‏ «أما إن ذلك سيكون» وأخرجه عبد بن حميد، والترمذي، وابن مردويه من حديث أبي هريرة‏.‏ وأخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه من حديث الزبير بن العوّام‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن أوّل ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له‏:‏ ألم نصحّ لك جسدك، ونروك من الماء البارد‏؟‏» وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، فأطعمناهم رطباً، وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله نحوه‏.‏ وأخرج مسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن أبي هريرة قال‏:‏ خرج النبيّ، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال‏:‏ «ما أخرجكما من بيوتكما الساعة‏؟‏» قالا‏:‏ الجوع يا رسول الله، قال‏:‏ «والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوما» فقاما معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت‏:‏ مرحباً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «أين فلان‏؟‏» قالت‏:‏ انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال‏:‏ الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق، فجاء بعذق فيه بسر، وتمر‏.‏ فقال‏:‏ كلوا من هذا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إياك والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعمر‏:‏ «والذي نفسي بيده لنسألن عن هذا النعيم يوم القيامة» وفي الباب أحاديث‏.‏

سورة العصر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏وَالْعَصْرِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ‏(‏2‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

أقسم سبحانه بالعصر، وهو الدهر، لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار، وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع عزّ وجلّ، وعلى توحيده، ويقال لليل عصر، وللنهار عصر، ومنه قول حميد بن ثور‏:‏

ولم ينته العصران يوم وليلة *** إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا

ويقال للغداة والعشيّ‏:‏ عصران، ومنه قول الشاعر‏:‏

وأمطله العصرين حتى يملني *** ويرضى بنصف الدين والأنف راغم

وقال قتادة والحسن‏:‏ المراد به في الآية العشيّ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، ومنه قول الشاعر‏:‏

يروح بنا عمرو وقد قصر العصر *** وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر

وروي عن قتادة أيضاً‏:‏ أنه آخر ساعة من ساعات النهار‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ إن المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله سبحانه بالمحافظة عليها‏.‏ وقيل‏:‏ هو قسماً بعصر النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ قال بعضهم‏:‏ معناه، ورب العصر‏.‏ والأوّل أولى‏.‏ ‏{‏إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ‏}‏ هذا جواب القسم‏.‏ الخسر، والخسران‏:‏ النقصان، وذهاب رأس المال، والمعنى‏:‏ أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص، وضلال عن الحق حتى يموت‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالإنسان الكافر‏.‏ وقيل‏:‏ جماعة من الكفار‏:‏ وهم‏:‏ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأوّل أولى لما في لفظ الإنسان من العموم، ولدلالة الاستثناء عليه‏.‏ قال الأخفش‏:‏ ‏{‏فِى خُسْرٍ‏}‏ في هلكة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ عقوبة‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ لفي شرّ‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏والعصر‏}‏ بسكون الصاد‏.‏ وقرءوا أيضاً‏:‏ ‏{‏خسر‏}‏ بضم الخاء، وسكون السين‏.‏ وقرأ يحيى بن سلام‏:‏ ‏(‏والعصر‏)‏ بكسر الصاد‏.‏ وقرأ الأعرج، وطلحة، وعيسى‏:‏ ‏(‏خسر‏)‏ بضم الخاء والسين، ورويت هذه القراءة عن عاصم‏.‏

‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ أي‏:‏ جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح، فإنهم في ربح لا في خسر؛ لأنهم عملوا للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، والاستثناء متصل، ومن قال‏:‏ إن المراد بالإنسان الكافر فقط، فيكون منقطعاً، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة، ولا وجه لما قيل‏:‏ من أن المراد الصحابة أو بعضهم، فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان، والعمل الصالح ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالحق‏}‏ أي‏:‏ وصى بعضهم بعضاً بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان بالله، والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه‏.‏ قال قتادة‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏، أي‏:‏ بالقرآن، وقيل‏:‏ بالتوحيد، والحمل على العموم أولى‏.‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالصبر‏}‏ أي‏:‏ بالصبر عن معاصي الله سبحانه، والصبر على فرائضه‏.‏ وفي جعل التواصي بالصبر قريناً للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه‏:‏

‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 46‏]‏ وأيضاً التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر، وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والعصر‏}‏ قال‏:‏ الدهر‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه قال‏:‏ هو ساعة من ساعات النهار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال‏:‏ هو ما قبل مغيب الشمس من العشيّ‏.‏ وأخرج الفريابي، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ بن أبي طالب أنه كان يقرأ‏:‏ ‏(‏والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر‏)‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ‏:‏ ‏(‏والعصر إن الإنسان لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر الدهر‏)‏‏.‏

سورة الهمزة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ‏(‏2‏)‏ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ‏(‏5‏)‏ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ‏(‏6‏)‏ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏8‏)‏ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ‏(‏9‏)‏‏}‏

الويل‏:‏ هو مرتفع على الابتداء، وسوّغ الابتداء به مع كونه نكرة كونه دعاء عليهم، وخبره‏:‏ ‏{‏لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏ والمعنى‏:‏ خزي، أو عذاب، أو هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة‏.‏ قال أبو عبيدة، والزجاج‏:‏ الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس، وعلى هذا هما بمعنى وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح‏:‏ الهمزة الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة‏:‏ الذي يغتابه من خلفه‏.‏ وقال قتادة عكس هذا‏.‏ وروي عن قتادة، ومجاهد أيضاً أن الهمزة‏:‏ الذي يغتاب الناس في أنسابهم‏.‏ وروي عن مجاهد أيضاً أن الهمزة‏:‏ الذي يهمز الناس بيده‏.‏ واللمزة الذي يلمزهم بلسانه‏.‏ وقال سفيان الثوري‏:‏ يهمزهم بلسانه، ويلمزهم بعينه‏.‏ وقال ابن كيسان الهمزة‏:‏ الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة‏:‏ الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه، والأوّل أولى، ومنه قول زياد الأعجم‏:‏

تدلي بودّي إذا لاقيتني كذبا *** وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه

وقول الآخر‏:‏

إذا لقيتك عن سخط تكاشرني *** وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه

وأصل الهمز‏:‏ الكسر‏.‏ يقال‏:‏ همز رأسه كسره، ومنه قول العجاج‏:‏

ومن همزنا رأسه تهشما *** وقيل‏:‏ أصل الهمز واللمز‏:‏ الضرب والدفع‏.‏ يقال‏:‏ همزه يهمزه همزاً، ولمزه يلمزه لمزاً‏:‏ إذا دفعه وضربه، ومنه قول الشاعر؛

ومن همزنا عزه تبركعا *** على أسته زوبعة أو زوبعا

البركعة‏:‏ القيام على أربع‏.‏ يقال بركعه، فتبركع، أي‏:‏ صرعه، فوقع على أسته‏.‏ كذا في الصحاح، وبناء فعلة يدلّ على الكثرة، ففيه دلالة على أنه يفعل ذلك كثيراً، وأنه قد صار ذلك عادة له، ومثله ضحكة ولعنة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏همزة لمزة‏}‏ بضم أوّلهما، وفتح الميم فيهما‏.‏ وقرأ الباقر، والأعرج بسكون الميم فيهما‏.‏ وقرأ أبو وائل، والنخعي، والأعمش‏:‏ ‏(‏ويل للهمزة اللمزة‏)‏ والآية تعمّ كلّ من كان متصفاً بذلك، ولا ينافيه نزولها عل سبب خاص، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‏.‏ ‏{‏الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ‏}‏ الموصول بدل من كلّ، أو في محل نصب على الذمّ، وهذا أرجح؛ لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح، وإنما وصفه سبحانه بهذا الوصف؛ لأنه يجري مجرى السبب، والعلة في الهمز واللمز، وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أنه الفضل، فلأجل ذلك يستقصر غيره‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏جمع‏}‏ مخففاً‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بالتشديد‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وعدّده‏}‏ بالتشديد‏.‏ وقرأ الحسن، والكلبي، ونصر بن عاصم، وأبو العالية بالتخفيف، والتشديد في الكلمتين يدلّ على التكثير وهو جمع الشيء بعد الشيء، وتعديده مرّة بعد أخرى‏.‏ قال الفراء‏:‏ معنى‏:‏ ‏{‏عدّده‏}‏ أحصاه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ وعدّده لنوائب الدّهور‏.‏ يقال‏:‏ أعددت الشيء وعددته‏:‏ إذا أمسكته‏.‏ قال السديّ‏:‏ أحصى عدده‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ أعدّ ماله لمن يرثه‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى فاخر بكثرته وعدده، والمقصود ذمه على جمع المال، وإمساكه، وعدم إنفاقه في سبيل الخير‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى على قراءة التخفيف في «عدّده»‏:‏ أنه جمع عشيرته وأقاربه‏.‏ قال المهدوي‏:‏ من خفف «وعدّده»، فهو معطوف على المال، أي‏:‏ وجمع عدده‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ‏}‏ مستأنفة‏:‏ لتقرير ما قبلها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال، أي‏:‏ يعمل عمل من يظنّ أن ماله يتركه حياً مخلداً لا يموت‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ يحسب أن ماله يزيد في عمره، والإظهار في موضع الإضمار للتقريع والتوبيخ‏.‏ وقيل‏:‏ هو تعريض بالعمل الصالح، وأنه الذي يخلد صاحبه في الحياة الأبدية لا المال‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع له عن ذلك الحسبان أي‏:‏ ليس الأمر على ما يحسبه هذا الذي جمع المال وعدده، واللام في‏:‏ ‏{‏لَيُنبَذَنَّ فِى الحطمة‏}‏ جواب قسم محذوف، أي‏:‏ ليطرحنّ في النار، وليلقينّ فيها‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لينبذنّ‏}‏ وقرأ عليّ، والحسن، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن‏:‏ ‏(‏لينبذانّ‏)‏ بالتثنية، أي‏:‏ لينبذ هو وماله في النار‏.‏ وقرأ الحسن أيضاً‏:‏ ‏{‏لينبذنّ‏}‏ أي‏:‏ لينبذن ماله في النار‏.‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحطمة‏}‏‏؟‏ هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول، وتبلغه الأفهام‏.‏ ثم بيّنها سبحانه فقال‏:‏ ‏{‏نَارُ الله الموقدة‏}‏ أي‏:‏ هي نار الله الموقدة بأمر الله سبحانه، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم، وكذلك في وصفها بالإيقاد‏.‏ وسميت «حطمة»؛ لأنها تحطم كل ما يلقى فيها وتهشمه، ومنه‏:‏

إنا حطمنا بالقضيب مصعبا *** يوم كسرنا أنفه ليغضبا

قيل‏:‏ هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم‏.‏ وقيل‏:‏ الطبقة الثانية منها‏.‏ وقيل‏:‏ الطبقة الرابعة ‏{‏التى تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة‏}‏ أي‏:‏ يخلص حرّها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، وخصّ الأفئدة مع كونها تغشى جميع أبدانهم؛ لأنها محلّ العقائد الزائغة، أو لكون الألم إذا وصل إليها مات صاحبها، أي‏:‏ إنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون‏.‏ وقيل معنى‏:‏ ‏{‏تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة‏}‏ أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بأمارات عرّفها الله بها‏.‏ ‏{‏إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ‏}‏ أي‏:‏ مطبقة مغلقة، كما تقدّم بيانه في سورة البلد، يقال أصدت الباب‏:‏ إذا أغلقته، ومنه قول قيس بن الرقيات‏:‏

إن في القصر لو دخلنا غزالا *** مصفقاً موصداً عليه الحجاب

‏{‏فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ‏}‏ في محل نصب على الحال من الضمير في ‏{‏عليهم‏}‏، أي‏:‏ كائنين في عمد ممدّدة موثقين فيها، أو في محلّ رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ هم في عمد، أو صفة لمؤصدة، أي‏:‏ مؤصدة بعمد ممدّدة‏.‏ قال مقاتل‏:‏ أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدّت بأوتادٍ من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح‏.‏

ومعنى كون العمد ممدّدة‏:‏ أنها مطوّلة، وهي‏:‏ أرسخ من القصيرة‏.‏ وقيل‏:‏ العمد أغلال في جهنم، وقيل‏:‏ القيود‏.‏ قال قتادة‏:‏ المعنى‏:‏ هم في عمد يعذّبون بها، واختار هذا ابن جرير‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏في عمد‏}‏ بفتح العين، والميم‏.‏ وقيل‏:‏ هو اسم جمع لعمود‏.‏ وقيل‏:‏ جمع له‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ هي جمع لعمود كأديم وأدم‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ هي جمع عماد‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر بضم العين، والميم جمع عمود‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ هما جمعان صحيحان لعمود‏.‏ واختار أبو عبيد، وأبو حاتم وقراءة الجمهور‏.‏ قال الجوهري‏:‏ العمود عمود البيت، وجمع القلة أعمدة، وجمع الكثرة عمد وعمد، وقرئ بهما‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ العمود كل مستطيل من خشب أو حديد‏.‏

وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏ قال‏:‏ هو المشاء بالنميمة، المفرّق بين الجمع، المغري بين الإخوان‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ‏}‏ قال‏:‏ طعان‏.‏ ‏{‏لُّمَزَةٍ‏}‏ قال‏:‏ مغتاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ‏}‏ قال‏:‏ مطبقة‏.‏ ‏{‏فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ‏}‏ قال‏:‏ عمد من نار‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ هي الأدهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الأبواب هي الممدّدة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال‏:‏ أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم في أعناقهم، فشدّت بها الأبواب‏.‏

سورة الفيل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ‏(‏1‏)‏ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ‏(‏2‏)‏ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ‏(‏3‏)‏ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

الاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏ لتقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم بإنكار عدمها‏.‏ قال الفراء‏:‏ المعنى ألم تخبر‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ألم تعلم‏.‏ وهو تعجيب له صلى الله عليه وسلم بما فعله الله ‏{‏بأصحاب الفيل‏}‏ الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، وكيف منصوبة بالفعل الذي بعدها، ومعلقة لفعل الرؤية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون لكلّ من يصلح له‏.‏ والمعنى‏:‏ قد علمت يا محمد، أو علم الناس الموجودون في عصرك، ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من قصة أصحاب الفيل، وما فعل الله بهم، فما لكم لا تؤمنون‏؟‏ والفيل هو الحيوان المعروف، وجمعه أفيال، وفيول، وفيلة‏.‏ قال ابن السكيت‏:‏ ولا تقول أفيلة، وصاحبه فيال، وسيأتي ذكر قصة أصحاب الفيل إن شاء الله‏.‏ ‏{‏أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ‏}‏ أي‏:‏ ألم يجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، واستباحة أهلها في تضليل عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوه بكيدهم، والهمزة للتقرير كأنه قيل‏:‏ قد جعل كيدهم في تضليل، والكيد‏:‏ هو إرادة المضرّة بالغير؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل والسبي، ويكيدوا البيت الحرام بالتخريب والهدم‏.‏

‏{‏وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ‏}‏ أي‏:‏ أقاطيع يتبع بعضها بعضاً كالإبل المؤبلة‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏أبابيل‏}‏ جماعات في تفرقة، يقال جاءت الخيل أبابيل، أي‏:‏ جماعات من هاهنا وهاهنا‏.‏ قال النحاس‏:‏ وحقيقته أنها جماعات عظام، يقال فلان، توبل على فلان أي‏:‏ تعظم عليه، وتكبر، وهو مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ واحده أبول مثل عجول‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ أبيل، قال الواحدي‏:‏ ولم نر أحداً يجعل لها واحداً‏.‏ قال الفراء‏:‏ لا واحد له من لفظه‏.‏ وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع في واحدها‏:‏ أبالة مشدّداً‏.‏ وحكى الفرّاء أيضاً‏:‏ أبالة بالتخفيف‏.‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ كانت طيراً من السماء لم ير قبلها ولا بعدها‏.‏ قال قتادة‏:‏ هي‏:‏ طير سود جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً مع كل طائر ثلاثة أحجار‏:‏ حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا يصيب شيئًا إلاّ هشمه‏.‏ وقيل‏:‏ كانت طيراً خضراً خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع‏.‏ وقيل‏:‏ كان لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكف الكلاب‏.‏ وقيل‏:‏ في صفتها غير ذلك، والعرب تستعمل الأبابيل في الطير، كما في قول الشاعر‏:‏

تراهم إلى الداعي سرعاً كأنهم *** أبابيل طير تحت دجن مسجن

وتستعملها في غير الطير كقول الآخر‏:‏

كادت تهدّ من الأصوات راحلتي *** أن سالت الأرض بالجرد الأبابيل

‏{‏تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ‏}‏ الجملة في محلّ نصب صفة لطير‏.‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ترميهم‏}‏ بالفوقية‏.‏ وقرأ أبو حنيفة، وأبو معمر، وعيسى، وطلحة بالتحتية، واسم الجمع يذكر ويؤنث‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في القراءة الثانية لله عزّ وجلّ‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏مّن سِجّيلٍ‏}‏ أي‏:‏ مما كتب عليهم العذاب به، مشتقاً من السجل‏.‏ قال في الصحاح قالوا‏:‏ هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم‏.‏ قال عبد الرحمن بن أبزى‏:‏ ‏{‏مّن سِجّيلٍ‏}‏ من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط‏.‏ وقيل‏:‏ من الجحيم التي هي سجين، ثم أبدلت النون لاماً، ومنه قول ابن مقبل‏:‏

ضرباً تواصت به الأبطال سجيلا *** وإنما هو سجيناً‏.‏ قال عكرمة‏:‏ كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجحدري، وكان الحجر كالحمصة، وفوق العدسة، وقد قدّمنا الكلام في سجيل في سورة هود‏.‏ ‏{‏فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ‏}‏ أي‏:‏ جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدّواب فرمت به من أسفل، شبه تقطع أوصالهم بتفرّق أجزائه‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ أنهم صاروا كورق زرع قد أكلت منه الدّواب وبقي منه بقايا، أو أكلت حبه، فبقي بدون حبه‏.‏ والعصف جمع عصفة، وعصافة، وعصيفة، وقد قدّمنا الكلام في العصف في سورة الرحمن، فارجع إليه‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال‏:‏ إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحداً، قالوا‏:‏ لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدّمون فيلهم إلاّ تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلاّ أخذته الحكة، فكان لا يحكّ الإنسان منهم جلده إلاّ تساقط لحمه‏.‏ وأخرج ابن المنذر، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عنه قال‏:‏ أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب، فقال لملكهم‏:‏ ما جاء بك إلينا‏؟‏ ألا بعثت، فنأتيك بكل شيء‏؟‏ فقال‏:‏ أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلاّ أمن، فجئت أخيف أهله، فقال‏:‏ إنا نأتيك بكل شيء تريد، فارجع، فأبى إلاّ أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال‏:‏ لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التي قال الله‏:‏ ‏{‏تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ‏}‏ فجعل الفيل يعجّ عجاً ‏{‏فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ‏}‏‏.‏ وقصة أصحاب الفيل مبسوطة مطوّلة في كتب التاريخ والسير، فلا نطوّل بذكرها‏.‏

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ‏}‏ قال‏:‏ حجارة مثل البندق، وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار‏:‏ حجران في رجليه، وحجر في منقاره حلقت عليهم من السماء، ثم أرسلت عليهم تلك الحجارة، فلم تعد عسكرهم‏.‏

وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء، والضحاك عنه أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل بريد مجتمعة، لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها، وحصاتين في رجليها، ترسل واحدة على رأس الرجل، فيسيل لحمه ودمه ويبقى عظاماً خاوية لا لحم عليها ولا جلد ولا دم‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً ‏{‏فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ‏}‏ يقول‏:‏ كالتبن‏.‏ وأخرج ابن إسحاق في السيرة، والواقديّ، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ لقد رأيت قائد الفيل، وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان‏.‏ وأخرج الواقديّ نحوه عن أسماء بنت أبي بكر‏.‏ وأخرج أبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفيل‏.‏ وأخرج ابن إسحاق، وأبو نعيم، والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال‏:‏ ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل‏.‏